رلى إبراهيم _ الأخبار
ما إن بدأ موظفو القطاع العام إضرابهم في 13 حزيران الماضي، حتى استعاد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عبارة استعملتها السلطة يوم احتالت على المودعين، جازمة بـ«قدسية الودائع»، إذ أشار إلى «قدسية حقوق موظفي القطاع العام وسعيه بالإمكانات المتاحة لتوفير مستلزمات الصمود له». مذ ذاك، أي قبل أكثر من ثلاثة أسابيع، لم يحرّك ميقاتي ساكناً، بل ألقى كرة النار في أحضان وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال مصطفى بيرم. والأخير تنحّى عن هذه المهمّة منذ يومين بسبب ما وصفه بـ«التّجريح والتّشكيك الصّادر من مجموعات وظيفيّة». عملياً، ميقاتي لم يهتمّ بالقطاع العام ولا بموظفيه، بل لطالما كان هو وسائر أصحاب الرساميل، يرون العاملين في القطاع العام عبئاً على الدولة ويصفون القطاع العام بأنه غير منتج. أما اليوم، وبعد انهيار هذا القطاع، فهم لا يريدون منه سوى أن يكون وسيلة لإقرار الدولار الجمركي، أي مبرّراً لزيادة الضرائب. لذا لا يعتقد أن تصحيح أجور العاملين أمر ضروري، بل يمكن شراء ولاءاتهم بزيادة المساعدة الاجتماعيّة عبر ترقيعٍ بخسٍ للأجور.
كان وزير العمل مكلّفاً بالتّفاوض مع رابطة موظفي الإدارة العامة حتى الاجتماع الذي عقد أول من أمس في السّرايا الحكوميّة. حضر الاجتماع، إلى جانب ميقاتي، كل من بيرم ووزير المال يوسف الخليل، ووزيرة الدولة لشؤون التنمية الإدارية نجلا رياشي، ووزير الاتصالات جوني قرم، ورئيس ديوان المحاسبة محمد بدران، ورئيسة مجلس الخدمة المدنية نسرين مشموشي، ورئيس التفتيش المركزي جورج عطية. وخلال الاجتماع، جرى الاتفاق على ثلاث نقاط:
- تحويل المساعدة الاجتماعية إلى راتب كامل بعدما كانت توازي نصف راتب، على أن تدفع ابتداءً من شهر تموز، وبمفعول رجعيٍّ حتى لو لم تدفع في بداية الشهر، بشرط أن يحضر الموظف إلى الإدارة يومين في الأسبوع كحدٍّ أدنى.
- رفع بدل النقل إلى 85 ألف ليرة عن كل يوم حضور.
- رفع موازنة الاستشفاء أربعة أضعاف والمساعدات المدرسية خمسة أضعاف.
هذه «الإصلاحات» حتى الساعة شفهية. وهي لا تعني أن هناك تعاملاً مختلفاً من الحكومة مع تصحيح أجور العاملين في القطاع العام بغير طريقة الترقيع. وهذا ما يريده ميقاتي وسائر قوى السلطة التي تتفرج على ما يحصل. لكن السؤال: لماذا لم يكلف وزير المال بالتّفاوض مع موظفي القطاع العام وهو الجهة المعنيّة بهذا الأمر مباشرة؟ لماذا يريد ميقاتي تخفيف هذا العبء عن الخليل وتحميله لبيرم؟ على أيّ حال، ما حصل هو أنه بنهاية الاجتماع، تقرّر تكليفُ وزير المال تأمينَ التمويل ليُعقد بعده اجتماع آخر لوضع آليّة توزيع الأموال. لكن الخليل رفض البند الأول من مطالب رابطة موظفي الإدارة العامة بتصحيح الأجور وفق سعر صرف الدولار المصرفي، أي تحويل رواتبهم على دولار الـ 1500 ليرة، ثم تسديدها بالليرة وفق سعر صرف الدولار المصرفي البالغ 8000 ليرة. حجّة وزير المال أن دراسته تظهر زيادة في التضخّم في حال التجاوب مع مطلب الموظفين. بدا كأن وزير المال لم ينتبه إلى معدلات التضخم الحالية التي سببها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يوم كان الخليل مديراً للعمليات المالية في مصرف لبنان، وأحد أبرز معاونيه. رغم ذلك، بات الخليل يتحدّث بلغة ميقاتي المشهورة: أي تقديم الوعود. لذا، وعد الموظفين بتصحيح أجورهم في حال إقرار الموازنة وزيادة إيرادات الدولة عبر تطبيق الرسوم والضرائب الجديدة. المستغرب ألّا يهتمّ الخليل ولا ميقاتي بمفاعيل هذه الضرائب على التضخّم، ولا بنتائجها على معدلات الفقر ولاسيما على موظفي القطاع العام بالدرجة الأولى. فضلاً عن أن الخليل يدرك، إلى جانب ميقاتي المسؤول الأول عن إدارة كل الأزمة، أن إقرار الموازنة معلّق إلى ما بعد انتهاء عهد رئيس الجمهورية ميشال عون لأنهما ضدّ أي خطوة يمكن أن تسجّل للعهد. فالضحية الأسهل في هذه المعادلة هي القطاع العام خدمة لأهداف شخصية ومناكفات سياسية. فضلاً عن أن تفكّك المؤسسات العامة وانهيار القطاع بمجمله يتماشيان مع ما روّجت له هذه السّلطة منذ عشرات الأعوام عن عدم إنتاجية وجدوى هذا القطاع وعن الفساد الذي ينخره.
في الواقع، تتحمّل هذه الطبقة السياسية مسؤولية النمط الاقتصادي القائم منذ التسعينيّات، وكل الحشو الزبائني الذي حلّ بالإدارات العامة، لكن ها هي تتحدّث اليوم عن عدم كفاءة الموظفين كما تحدثت سابقاً عن كلفة القطاع العام على الخزينة. وهي تتذرّع اليوم بأن توقف القطاع العام يعطّل الحياة الاقتصادية!
المماطلة في تحسين وضع الموظفين رغم كل ما يسبّبه ذلك في استمرار الإضراب وشلّ البلد بمرفئه ومطاره وإداراته ومؤسساته وقطاعاته، لا يجري عن عبث، وخصوصاً أن إعدام القطاع العام يخدم مساعي خصخصة الاتّصالات والكهرباء والمرفأ التي يحلم بها ميقاتي وغيره، ويخدم بيع أصول الدولة بعد القبض على أنفاسها. لكنه في الدرجة الأولى يتطابق مع شروط صندوق النقد بـ«ترشيد» هذا القطاع وعدم إجراء أي تصحيح لموظفيه لا في الرواتب ولا في الحقوق. رغم أن عملية «التّرشيد» حدثت بشكل تلقائيٍّ نتيجة نزوح غالبية الشباب من الإدارات الرسمية إلى وظائف خاصة أو إلى الخارج. وهو ما تؤكده رئيسة رابطة موظفي الإدارة العامة نوال نصر في حديثها إلى «الأخبار» عبر الإشارة إلى أن تقليص القطاع العام بدأ، وثمّة موظفون كثر رحلوا معظمهم من الطاقات الشابة التي تشكل النخبة. وترى نصر أنهم «قدموا الكثير من التنازلات كالتخلّي عن مؤشّر الغلاء وعن قسم كبير من الحقوق والحاجات. غير أننا مصرّون على تقاضي رواتبنا وفق الحدّ الأدنى للدولار المصرفي أي 8 آلاف ليرة، رغم أن هذه المعادلة تفقدنا ما يوازي 70% من قيمة رواتبنا». وتلفت إلى أن «إثبات الإدارات العامة نجاحها ساهم في استهدافها أكثر ولا يمكن فهم عدم التجاوب مع حقوق الموظفين إلا في إطار تعمّد انهيار الدولة وتجريدها من كادرها البشري الكُفُؤ». المطالب متدنّية ولا تحمل أي امتيازات، لكنها تساهم في تأمين مقومات العيش البسيطة للمواطن مرحلياً: تصحيح الرواتب ومعاشات التّقاعد، تأمين تغطية استشفائية تحول دون موت موظفي القطاع العام على أبواب المستشفيات، ورفع بدل النقل بشكل يتلاءم مع غلاء البنزين. ويبدو أن الحكومة برئيسها ووزير ماليتها غير مهتمة بموت الموظف، وإنما تدفع قُدماً باتجاهه. وحين يقرر المسؤولون عن الأزمة عقد اجتماع للبحث بمطالب الموظفين، يغيّبون رابطة الموظفين عن النقاش ولا يبلغونها حتى بما خرجوا به من قرارات!

alafdal-news
