رائد المصري - خاصّ الأفضل نيوز
تبلغ أوساط ديبلوماسية عربية تشاؤمها ممَّا ستؤول إليه الحرب وسيناريوهاتها على لبنان، وتقرُّ بأن لا تسوية قريبة أقله خلال العام الحالي، بسبب ممارسة إسرائيل لسياسة الأرض المحروقة، للتعويض عن فشلها في تحقيق أهدافها التي وضعها قادة الكيان، وكذلك بعد إبلاغ لبنان الوسطاء الدوليين موافقته على وقف إطلاق النار، عادت تل أبيب لتربط الضغط الحالي على بيروت بإطلاق الرهائن في غزة، وهو ربط للساحات من قبل إسرائيل هذه المرة.
العدوان البري الإسرائيلي ومواجهة المقاومة، أحدث توازناً في المعركة التي كان حزب الله يستعد لها، وهي مواجهة للمقاومين أكثر شراسة اليوم، بعد فقدان الأمين العام السيد حسن نصر الله، وفي الحرب البرية، يمتلك المقاومون صلاحيات واسعة وهامشاً ضخماً، واستعداداً كبيراً على الأرض، ولهذا تبدو المعركة طويلة، ومعها المعركة الديبلوماسية التي لم تبدأ بعد، فصحيح أن لبنان تدرَّج في التصعيد الديبلوماسي، لكن مصادر ديبلوماسية أميركية تقرأ موقف البيت الأبيض، بأن الرئيس جو بايدن عاجز في مرحلته الانتقالية حتى الانتخابات في الخامس من الشهر المقبل عن التدخل أكثر، وهو يصب اهتمامه لعدم تورط إسرائيل في حرب إقليمية لا تريدها واشنطن كما إيران.
وتفيد مصادر سياسية من داخل واشنطن، بأنه إذا كان نتنياهو فرحاً ومنتشياً بما يمرُّ به الرئيس بايدن، من حالة ضعف تجاه ارتكاباته المستمرة في لبنان وغزة ومع إيران، فإن الإدارة الأميركية المقبلة، لا سيَّما الديموقراطية، ستطلب وقف الحرب على لبنان مع تسلُّمها إدارة البلاد، وهذا اتفاق غير معلن بين الأميركيين والإسرائيليين، ولهذا كان الهدوء الإيراني سيد الموقف، يفعِّل ديبلوماسيته في كل اتجاه وناحية .
ولمقاربة الأوضاع الميدانية والسياسية التي تتفاعل ديبلوماسيتها في أكثر من اتجاه، فإن واشنطن ترغب بتقويض المقاومة في لبنان وإضعاف حزب الله، وبأن لا يقوى خارج بيئته، خصوصاً أنَّ الحزب صار مرناً بالنسبة لوحدة الساحات ومعه موقف طهران، لكن وقف إطلاق النار قبل البحث بأي أمر آخر كمفتاح لإنهاء الحرب على لبنان له ثلاثة مفاعيل، الأول له علاقة بالميدان في ساحات الجنوب، والثاني يتعلق بالمدى الزمني، والثالث له علاقة بالضغط الدولي الأميركي تحديداً على إسرائيل.
أما نتنياهو المنتشي فهو لا يقبل الحلول اليوم ويعتقد أنه في موقف قوة، وسيتطلب الأمر بعض الوقت وقرارات أممية متتابعة ومستمرة، سواء على صعيد القرار 1701 ، أو على مستوى وقف إطلاق النار، حيث فشل القرار الأممي بوقف الحرب وإدانة إسرائيل لأعمالها العدوانية على اليونيفل، بعد أن عارضته الجزائر، لأنه يلحظ فقط الإدانة لضرب القوات الدولية من دون التطرق إلى المدنيين واستهداف الجيش اللبناني، وبعده ستطرح فرنسا مشروع قرار جديد، إلى أن يقتنع نتنياهو بفشل أهدافه، وبالتالي يتبلور الحل، حينها يمكن أن يرضى بأنصاف الحلول على جبهته الشمالية.
هكذا، وبعدما كان لبنان متروكاً تحت الضربات الإسرائيلية العنيفة، بدأت حركة دبلوماسية ضاغطة، فرنسية وبريطانية وأميركية، ترافقها حركة المنسّقة العامّة للأمم المتحدة في لبنان جنين بلاسخارت العاملة على الملفّين الأمنيّ والسياسي معاً، إذ أفادت مصادر سياسية مطلعة، بأنَّ ما من تقدم في ملف التهدئة في لبنان، والتحرك اللُّبناني الرسمي يتواصل من دون آلية معينة جاهزة، باستثناء دخول بارز لديبلوماسية وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن على الخط، فأجرى اتصالاً مع الرئيس نجيب ميقاتي، ثم اتصالاً آخر مع الرئيس نبيه بري لمدة 40 دقيقة، وتكشف المعلومات أن الاتصال تناول احتمالات المرحلة المقبلة، وتمسُّك الرئيس بري بوقف إطلاق النار الفوري.
فتمسك الرئيس بري هذا، يهدف إلى قطع الطريق بحسب ما كشفته صحيفة وول ستريت جورنال، على الإدارة الأميركية، وهو ما عبَّر عنه وأبلغ فيه الموفد آموس هوكشتاين مسؤولين عرباً، بأنّ إضعاف الحزب جرّاء الهجمات الإسرائيلية، يمكن له أن يكسِر الجمود السياسي في لبنان، بحسب الصحيفة.
ربّما اقتناص الفرصة لإنجاز ملف الرئاسة وإعادة إنتاج السلطة التنفيذية، لمخاطبة المجتمع الدولي، تماشياً مع استعادة الاتصالات الدولية عافيتها يعتبر إنجازاً واختصاراً للوقت، إذ كشف رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، أنّ الاتصالات الدّبلوماسيّة تكثّفت مؤخراً، قبيل انعقاد جلسة مجلس الأمن الدولي، بهدف السّعي مجدّداً إلى وقف إطلاق النّار، وبالتّالي القيام بمزيد من الضّغط لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، ولذلك لا ضرورة لانتظار وقف إطلاق النار، الذي سيكون بطبيعة الحال محصّناً بتسوية دولية، قد تأتي في حينه برئيس مكبّل اليدين.
في المحصّلة، الأسابيع المقبلة ستكون مليئة بالأحداث المتسارعة محلياً وإقليمياً ودولياً تحت وقع النار والحرب على لبنان، ويفترض أن يُفتح باب التسوية بدءاً من انتخاب رئيس يملك وحده مفتاح وقف إطلاق النار، حيث كشفت معلومات صحافية، بأن الاتصالات الدولية لم تتوقّف أبداً بين باريس ومصر وقطر للعمل على خط للتهدئة، ويرى المتابعون أنّ المؤشّرات الدبلوماسية تفيد، بأنّ إسرائيل المصرّة على المُضيّ قدماً في عملياتها العسكرية بوحشية، قد تكون تجاوزت القرار 1701 بكلّ مندرجاته، ولهذا يرى المعنيون أنّ الدوائر الدبلوماسية قد تعمل على إيجاد صيغة وسطية أو توليفة بين القرارات الأممية، وخاصة تفعيل وتمتين القرار 1701 والدفع لانتخاب رئيس للجمهورية، يحتضن كلّ اللبنانيين، لا سيما في أزمة النزوح المستجدّة، وما يمكن أن ينتج عنها من أزمات لاحقة، ورئيس يحظى بثقة المجتمع الدولي، للوصول إلى وقف إطلاق النار وتحرير الأراضي اللبنانية في الجنوب ونشر الجيش اللبناني فيها، ورئيس يستطيع أن يحفظ التوازن في البلد، بحيث لا تكون غلبة لفريق على آخر.

alafdal-news
