طوني خوري- النشرة
سادت موجة عارمة من التفاؤل بقرب التوصل إلى حلول مرضية لمسألة ترسيم الحدود البحرية الجنوبية للبنان، بعد أن جال الموفد الاميركي آموس هوكشتاين على المعنيين في كل من لبنان وإسرائيل، وخرج بخلاصة مفادها أن الاتفاق بات اقرب من أي وقت مضى. وللمفارقة، فإن موجة التفاؤل هذه، اتت بعد ايام على موجة التشاؤم السوداء وسماع البعض طبول الحرب وهي تقرع، وكيل الاتهامات من كل حدب وصوب بعدم الرغبة اللبنانية للوصول إلى اتفاق لأنه لا يخدم مصالح اطراف محلية.
في الواقع، لا يمكن تناسي مسألة بالغة الاهمية، ومفادها أن روسيا هي شريكة حقيقية في مسار الترسيم، ولو بطريقة غير مباشرة لانّ الحرب التي اندلعت بينها وبين أوكرانيا، أوقعت أوروبا والعالم بأسره في ازمة طاقة وغذاء خانقة، اعادت الى الاذهان ايام الضيق في الحرب العالميّة، ودفعت اميركا والقارة العجوز الى البحث عن حلول سريعة، ولحسن لحظ فإنّ لبنان كان هذه المرة على الخارطة، فكان العمل على اجتراح الحلول لإنقاذ الموقف. الاستفادة هي للجميع، فإسرائيل تستفيد ولبنان كذلك، والأهم أن أوروبا على الموعد أيضاً في هذا المجال. وبذلك، تكون روسيا لاعباً مهمّاً في هذا الحدث، من دون حضورها الفعلي على الطاولة، فيما لم تنطلِ "حيلة" المسؤولين اللبنانيين على أحد، وبالأخص على هوكشتاين وإسرائيل، لجهة التوجّه نحو إيران لاستقدام النفط مجاناً لتشغيل معامل الكهرباء، فالجميع يعلم ان المسؤولين في لبنان لا يمكنهم المخاطرة بالوقوف في وجه الأميركيين، وهذه المرة سيكون وقوفهم في وجه أميركا وأوروبا أيضاً، فمن الّذي سيتخذ مثل هذا الموقف حتى ولو كان يصبّ في مصلحة اللبنانيين؟ قد يكون هناك شروط ومعطيات لا يملكها الكثيرون حول مسألة النفط الايراني، ولكن من المؤكد أن أحداً من اللبنانيين لن يرغب ولو النظر فيها لأن تداعياتها كبيرة جداً، والثمن سيكون غالياً بالنسبة إليه.
على أي حال، انتقلت دفّة الترسيم من ناحية الحرب إلى ناحية احياء المفاوضات، علماً أن الأرضية الدولية والمحلية باتت جاهزة لاستقبال هذا الاتفاق، فالخارج وضع السيناريو والتزم به، وها هو الداخل بدأ سباق "قطف المكاسب"، فرئيس الجمهورية قد يضع في جيبه هذا "الانجاز" في خانته قبل الامتار الاخيرة من نهاية الولاية، ورئيس مجلس النواب أمّن غطاء الحزب للمشروع وهو لا يدع فرصة إلا ويستغلها للتذكير بأنّه واضع اتفاق الإطار، وبالتالي المدماك الأول في مشروع بناء الترسيم، اما رئيس الحكومة فيجهد لاثبات اهمّية وجوده الذي أعطى زخماً للمفاوضات وشكّل الغطاء الرسمي للتحرك اللبناني، فيما ظهر حزب الله بمثابة "غير المعرقل" للاتفاق، وأكثر من ذلك، بدا وكأنه الذراع القوية التي أمّنت للبنان الحصول على ما يريد (او على افضل ما يرغب فيه)، وأثبت للجميع أن سلاحه ليس مشكلة محلّية صغيرة، بل هو أساسي في اللعبة الإقليمية ولا يمكن تجاهله أو الاستخفاف به، والبحث فيه لا يكون إلا على صعيد دولي-اقليمي.
أمام هذا الواقع، بدأ السباق الرسمي لبنانياً لحصد الغلّة، حتى قبل كشف الملابسات الكاملة للاتفاق وتفاصيله، ولكن ما همّ طالما انّ السيناريو موضوع سلفاً ولا يبقى سوى التنفيذ، وايجاد التوليفة الناجحة لاخراجه الى النور، والتحضّر لاخذ الصور مع ابتسامات عريضة تعلو الوجوه.
الأكيد في كل هذا الأمر، أن لبنان لم يدخل قطار التطبيع مع إسرائيل بعد، ولكن الأجواء التحضيريّة باتت أكثر انتشاراً إنما بشكل خجول، ولا يزال هناك الكثير حتماً للوصول إلأى هذه النقطة، إلا أنّ الخطة موضوعة وسيكون عامل الوقت هو الاساس في تحديد لحظتها.

alafdal-news
