ميرنا صابر – خاص الافضل نيوز
في 16 شباط 2026، لم يكن القرار المالي الذي خرج من السراي الحكومي مجرد بند إضافي في جدول القرارات. كان أشبه بجرس إنذار أعاد إلى ذاكرة اللبنانيين مشهداً لم يندمل بعد. رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11 إلى 12 في المئة، وزيادة الرسوم على المحروقات بما يقارب 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، بدت أرقاماً تقنية على الورق، لكنها في الشارع تُرجمت فوراً إلى سؤال واحد: من سيدفع الثمن؟
الحكومة برّرت خطوتها بالحاجة إلى تأمين إيرادات فورية لتغطية كلفة زيادات ورواتب إضافية للقطاع العام، في ظل عجز مزمن وانكماش اقتصادي مستمر. لكن بحسب مصادر ماليّة رفيعة المستوى لـ"الأفضل نيوز" فإنّ: "تقديرات وزارة المالية تشير إلى أن رفع الـTVA بنسبة 1% قد يؤمّن إيرادات إضافية تتراوح بين 250 و300 مليون دولار سنوياً إذا تحققت الجباية وفق النسب النظرية، فيما يُعوَّل على رسوم المحروقات لتأمين ما يقارب 150 مليون دولار إضافية". غير أن هذه الأرقام تبقى مشروطة بقدرة الدولة على التحصيل الفعلي، في اقتصاد ما زال جزء كبير منه نقدياً وخارج الرقابة الضريبية الكاملة.
المشكلة لا تكمن فقط في النسبة، فالضريبة على القيمة المضافة تُفرض على الاستهلاك، أي أنها تصيب كل مواطن يشتري خبزاً أو دواءً أو يدفع فاتورة مطعم أو خدمة. في بلد تشير التقديرات الدولية إلى أن أكثر من 70% من سكانه باتوا تحت خط الفقر أو على حافته، تصبح أي زيادة ولو كانت 1% عبئاً مضاعفاً. لأن الـ1% لا تبقى 1% في السوق اللبناني. التجار يسعّرون على أساس توقعات، والنقل يرتفع مع ارتفاع البنزين، وسلسلة الزيادات تتدحرج سريعاً من المحروقات إلى الخضار، ومن الخضار إلى السلع الأساسية، وصولاً إلى أقساط المدارس والخدمات.
خلال ساعات من إعلان القرار، بدأت الطرقات تُقطع في بيروت وبعض المناطق. مشهد الإطارات المشتعلة عاد ولو بشكل محدود، وسائقو سيارات الأجرة كانوا في طليعة المحتجين، معتبرين أن الزيادة على البنزين ستقضم ما تبقى من هامش ربحهم. مصادر نقابية أكدت لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "كلفة النقل اليومي لسائق يعمل 10 ساعات قد ترتفع بما لا يقل عن 15 إلى 20% شهرياً بعد احتساب الزيادة الجديدة، ما يعني عملياً إما رفع التعرفة على المواطنين أو العمل بخسارة."
الذاكرة الجماعية لم تحتج إلى وقت طويل لتستحضر 17 تشرين الأول 2019. يومها كانت شرارة الاحتجاج ضريبة مقترحة على تطبيق "واتساب"، 20 سنتاً يومياً، لكنها تحولت إلى انفجار غضب شامل ضد طبقة سياسية متهمة بتحميل الناس كلفة الفساد والهدر.
الفارق اليوم أن البلاد خرجت من انهيار مصرفي غير مسبوق، فقدت فيه العملة أكثر من 90% من قيمتها، وتآكلت الودائع، وتراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات قياسية. إذا كان اللبناني قد نزل إلى الشارع في 2019 دفاعاً عن كرامته الاقتصادية، فهو اليوم يعيش في واقع اقتصادي أكثر هشاشة وأقل قدرة على التحمل.
مصادر اقتصادية متابعة تعتبر أن الخطر لا يكمن فقط في الزيادة الضريبية بحد ذاتها، بل في الرسالة السياسية التي تحملها. فبدلاً من أن تبدأ المعالجة بإصلاحات بنيوية كضبط المعابر غير الشرعية، تحسين الجباية الجمركية، توسيع الوعاء الضريبي على القطاعات الأكثر ربحية، أو مكافحة التهرب الضريبي الذي يُقدَّر بمئات ملايين الدولارات سنوياً، اختارت السلطة الطريق الأسرع: جيب المستهلك. وفي بلد يعاني أزمة ثقة عميقة بين الدولة ومواطنيها، يتحول أي قرار مالي إلى اختبار سياسي.
فهل نحن أمام تكرار مشهد 2019؟ حتى اللحظة، التحركات محدودة ومتفرقة، لكن المؤشرات الاجتماعية مقلقة. نسبة البطالة بين الشباب لا تزال مرتفعة، والهجرة مستمرة، والطبقة الوسطى تكاد تختفي. أي ضغط إضافي قد يشكل نقطة تحول.
التجربة اللبنانية تقول إن الشرارة لا تُقاس بحجمها بل بتوقيتها.
في 2019 كانت ضريبة صغيرة كافية لإطلاق انتفاضة عابرة للطوائف. في 2026، قد لا تكون الزيادة الضريبية وحدها السبب، لكنها قد تتحول إلى عنوان جديد لغضب قديم.
القرار المالي في 16 شباط لم يُقرأ كخطوة تقنية بل كرمز، رمز لدولة تبحث عن تمويل سريع في اقتصاد منهك، ورمز لمواطن يشعر أنه الحلقة الأضعف في معادلة الخسائر.
بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي مسافة كبيرة، وبين الجباية النظرية والقدرة الفعلية على الدفع فجوة أوسع. وما بينهما يقف شارع لبناني خبر جيداً كيف تتحول الضرائب من سطور في الموازنة إلى هتافات في الساحات.

alafdal-news
