هالة جعفر-خاص الأفضل نيوز
شكلتْ الأزمة الإقتصادية في لبنان نكسة واضحة للعديد من القطاعات الأساسية في لبنان، بما في ذلك قطاع التعليم، الذي سرعان ما بان الخلل في بنيته عند أول أزمة. دعم التعليم الخاص بدلاً من التعليم الرسمي دون وضع خطط بديلة لمواجهة الأزمات، مما يُكرس مفهوم الطبقية في التعلم، هذا أولاً. ثانياً، هجرة العديد من المعلمين المؤهلين الذين تمكنوا من إيجاد فرص أفضل لأنفسهم في الخارج، خاصةً من الناحية المادية، التي لم تعد تلبي احتياجاتهم. وتقاعص الدولة عن سداد مستحقات المعلمين المتعاقدين لسنوات عديدة، مما أدى الأمر الذي أدى أيضاً إلى تفاقم الأزمة.. أزمة القطاع التربوي ليست أزمة وزارة التربية والتعليم فحسب، بل أزمة الدولة برمتها. فهي من أهم القطاعات التي تنتج أهم الطاقات الفكرية والبشرية القادرة على إخراج الوطن من أزماتها المتتالية. لا يوجد نجاح لأي من هذه القطاعات إن لم يكن القطاع التعليم في قمة الهرم.
أحمد طالب في الصف السابع أساسي، تقول والدته أنهم اضطروا لنقله إلى مدرسة حكومية بعد أن تعثرت سبل عيشهم وتراكم دفع مستحقات المدرسة الخاصة التي كان يدرس فيها. بالرغم من هذا الوضع المرير، إلا أنهم لم يوافقوا على حرمان طفلهم من حقه في متابعة دراسته، لذلك لجأت الأم إلى بيع كل ما لديها من ذهب لدفع الأقساط المتراكمة عليهم حتى تتمكن من الحصول على إفادة مدرسية تمكنها من نقل ابنها إلى مدرسةٍ أخرى. كان الحل هو المدرسة الرسمية الأقل تكلفة، والتي كانت قريبة من منزلهم، حتى يتمكنوا من التوفير في إيجار الحافلة أيضاً. زاد هذا الوضع المفاجىء من قدرة أحمد على تحمل مسؤولية لم يفكر فيها من قبل.
أكدت الأم في حديثها أن ابنها لم يكن الأول في فصله، لكنه دائماً ما كان يحصل على المركز الثاني أو الثالث، بمعنى أنه كان من المتفوقين في مدرسته، لكن تغير الظروف المعيشية تبعه تراجع في تحصيله العلمي، كحال زوادته التي لم تعد كما كانت من قبل، بل تحولت إلى شطيرة طعام وقنينة ماء، وأما المصروف فقد أصبح في خبر كان.
أمل والدة الطفل تمدح ابنها من حين لآخر، وتقول إن أحمد رغم صغر سنه يتفهم الظروف التي يمرون بها، ويبذل مجهوداً كبيراً في الدراسة دون شكوى. وتواصل بقولها، أنه ومن خلال متابعتها له، وجدت أن تقصيره كان فقط في المواد العلمية التي أخذوا منها قليلاً كما علمت فيما بعد، وذلك بسبب إضراب المعلمين المتعاقدين، الذين لم يلتقي بهم الطلاب قط منذ بداية العام، لأن الدولة لم تدفع مستحقاتهم العملية. نظراً لأن أمل متعلمة، فإنها تحاول قدر الإمكان مساعدة ابنها في هذه المواد حتى لا يفوته الكثير في الأيام القادمة.
هذه صورة مصغرة لعائلةٍ من بين العديد من العائلات التي تكافح بالقليل لتربية وتعليم أطفالها. أمل وعلى الرغم من البؤس وتدهور الأوضاع المعيشية، تمكنت هي وزوجها من إيجاد الحلول التي تمكنهما من إكمال تعليم ابنهما حتى لا يخسر عاماً دراسياً. ما كانت هذه الأسرة لتستمر لو قد تخطى أفراد عائلتها أحمد. لنفترض مثلاً، أن أحمد لديه أخت صغيرة وتحتاج لحليب وطعم وحفاضات وكل هذا في البداية، فماذا كان مصير هذه الأسرة؟
ماذا نقول عن من فقد وظيفته التي لم تكن تكفِ لحاجاته اليومية؟
من يستطيع أن يتحمل وضع الطفل الذي يذهب إلى المدرسة كل يوم دون طعام أو مالٍ كافٍ؟ من يستطيع تحمل ارتياد معظم الأطفال حذاء واحد وبنطلون واحد طوالَ أيام المدرسة؟ من المسؤول عن مقارنة الأطفال ببعضهم البعض نتيجة هذا المشهد؟
كيف نرى مشهد العديد من الأطفال الذين لم يتمكنوا من الذهاب إلى المدرسة ومواصلة دراستهم بعد أن اهتزت الأرض وانقلبت رأساً على عقب؟ من يتحمل غضب الأطفال الذين يتغيبون عن مقاعد الدراسة مضطرون، ليجدو أنفسهم يعملون في الأفران والمصانع والمتاجر وغيرها؟
هل هذا أيضاً من بين ما يريدنا رئيس وزرائنا أن تحمله، أم أن هذا الأمر يقع على عاتق الدولة ومسؤوليتها في تحمل جميع المهام التي تهم المواطن وليس وزارة التربية والتعليم فقط.
هناك حاجة ملحة للأكاديميين المعنيين بالقطاع التربوي لإعادة هيكلة هيكلة هيكلية جديدة لهذه المؤسسات التعليمية من حيث دعم وتطوير المدارس الرسمية على مستوى تقدم الشعوب الأخرى التي سبقتنا بهامش كبير في القرن الحادي والعشرين. دون أي إعتبارات وتدخل سياسي. لأنه باختصار لا يوجد بلد ناجح ما لم يكن هيكل نظامه التعليمي ناجحاً.

alafdal-news
