د. علي دربج _خاصّ الأفضل نيوز
ليس من قبيل المبالغة القول إنه من السذاجة لجوء لبنان إلى الولايات المتحدة والتعويل على إدارتها ـــ التي توزع الكلام المعسول ليلاً ونهارًا عن السلام وحق اللبنانيين في العيش بأمان ـــ لممارسة الضغوط على الكيان الفاشي الغاصب، لوقف مذبحته المفتوحة بحق الشعب اللبناني.
فغني عن التعريف، أن دعم واشنطن لهذه الحرب الدموية ومشاركتها المباشرة والفعّالة لجيش الاحتلال باستهداف المدنيين والأطفال والمسنين في مختلف المناطق اللبنانية، ومدّها للآلة الحربية الإسرائيلية بالقذائف والصواريخ الفتاكة، فضلًا عن الدعم العسكري والاستخباراتي والمادي والدبلوماسي المتواصل له، بات مسألة معلومة ومعروفة للجميع، كونها تُعدّ من المسلمات الأمريكية، وتعتبر سلوكًا قديمًا توارثته كافة القيادات الأمريكية منذ نشأة إسرائيل، وصولًا إلى الرئيس الحالي جو بايدن، وقطعًا من المتوقع أن يستمر مع المرشحة كامالا هاريس أو دونالد ترامب.
لكن مهلاً، فإن الجديد في الأمر، وما لا يعرفه كثيرون، هو أنه بدلاً من تركيز واشنطن مواردها وجهودها على إنقاذ الأرواح داخل البلاد والمساعدة في إعادة إعمار المناطق الأكثر تضررًا جراء إعصار "هيلين" في جنوب شرق الولايات المتحدة ـــ بعد أن اجتاح منطقة البحر الكاريبي وأجزاء من أمريكا الوسطى، لا سيما منطقة "فلوريدا بانهاندل" إضافة إلى إحدى عشرة ولاية أخرى، مُسببًا دمارًا هائلًا أثناء مروره عبر جورجيا وكارولينا الشمالية والجنوبية وتينيسي وفيرجينيا، مع هطول أمطار غزيرة أدت إلى فيضانات كبيرة ـــ تعطي الحكومة الأمريكية الأولوية لدعم الحكومة الإسرائيلية في استمرارها بالإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة ولبنان وتوسيع نطاق الدمار من أجل القضاء على البشر والحجر في هاتين المنطقتين.
إدارة بايدن بين إهمال مواطنيها ونجدة إسرائيل
من المفارقات العجيبة الغربية، أنه في نفس اليوم الذي أعلنت فيه "الوكالة الفيدرالية الأمريكية لإدارة الطوارئ" عن عجز قدره 9 مليارات دولار في التمويل الذي تشتد الحاجة إليه لمعالجة الأضرار الناجمة عن إعصار هيلين، أعلنت إسرائيل أنها حصلت على حزمة مساعدات أخرى بقيمة 8.7 مليار دولار من الولايات المتحدة "لتعزيز الأنظمة الحيوية بشكل كبير مثل القبة الحديدية ومقلاع داود مع دعم التطوير المستمر لنظام دفاع ليزر متقدم عالي الطاقة".
واللافت، أن حزمة المساعدات الأخيرة هذه، لا تشمل ما يقرب من 18 مليار دولار كانت قد قُدّمت إلى إسرائيل كمساعدات عسكرية منذ أكتوبر 2023، زائد 20 مليار دولار إضافية تمت الموافقة عليها في أغسطس/ آب الماضي.
وما يزيد الطين بلة، أن الحكومة الأمريكية لم تخصص لمنكوبي هيلين أي مساعدات، إلا لمرة واحدة بقيمة 750 دولارًا، وبعد ردة فعل عنيفة من قبلهم، وهو مبلغ ضئيل للضحايا والناجين مقارنة بالخسائر التي تكبدوها.
أما الطامة الكبرى، أنه في ذروة الإعصار، صرح الحرس الوطني في ولاية تينيسي أنه سيرسل أكثر من سبعمائة جندي إلى الشرق الأوسط في الأيام المقبلة كجزء من نشر فرقة عمل لمدة عام في المنطقة لمؤازرة إسرائيل والدفاع عنها، بينما كانت الولاية تعاني من مستويات غير مسبوقة من الدمار، وهي خطوة تسببت في غضب واسع النطاق.
علاوة على ذلك، وبالإضافة إلى نشر القوات في الشرق الأوسط، والذي سيرفع العدد الإجمالي المعروف للجنود الأمريكيين في المنطقة إلى حوالي 43000، سيتم إرسال "أسراب من الطائرات المقاتلة من طراز F-15E وF-16 وF-22 والطائرات الهجومية A-10" بهدف "مضاعفة القوة الجوية المتوفرة" في تصعيد أمريكي خطير في المنطقة.
إشارة إلى أن الإخفاقات السياسية التي تم الكشف عنها أثناء الاستجابة الحالية للإعصار، تذكرنا بشكل صارخ بما حدث عندما قامت إدارة جورج دبليو بوش بتوسيع التمويل لغزو العراق في العام 2003، ولكنها رغم ذلك لم تتمكن من حماية مواطنيها الذين يعانون في أعقاب إعصار كاترينا.
ممثلو الولايات المنكوبة في الكونغرس: الولاء لاسرائيل أولاً
في الحقيقة، لم يختلف تعامل ممثلي الولايات التي ضربها الإعصار من المشرعين الأمريكيين، عن سلوك الحكومة التي صرفت اهتمامها إلى دعم إسرائيل، بالرغم من الظروف الصعبة التي يعاني منها سكان المناطق المنكوبة. وتبعًا لذلك، وفي حديث للسيناتور ليندساي جراهام، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية كارولينا الجنوبية - الذي عانت ولايته من خسائر فادحة في البشر وفي البنية التحتية – مع الصحفي الأمريكي شون هانيتي في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، منح الأخير الإدارات الرسمية، صك براءة رغم تلكؤها الرهيب في معالجة تداعيات الإعصار. والأسوأ أنه جعل من المهاجرين وعمال الموانئ الذين أضربوا قبل أيام من الأزمة التي يواجهها الجنوب الشرقي، كبش فداء.
والأنكى أن السيناتور جراهام تعمّد قطع المحادثة عن كارولينا الجنوبية، متجاهلًا ما حلّ بها، ليسلط الضوء على الحاجة إلى إرسال المزيد من الأسلحة إلى إسرائيل وأوكرانيا.
وفي السياق ذاته، أدلت السيناتور عن ولاية تينيسي، مارشا بلاكبيرن، بتصريحات مماثلة، حيث توقفت عن إلقاء اللوم في الاستجابة الكارثية في ولايتها على "الأجانب غير الشرعيين" لتغرد عن مقتل ثمانية جنود إسرائيليين أثناء غزو لبنان، مطالبة بالوقوف إلى جانب الكيان الفاشي.
أكثر من ذلك، دعت بلاكبيرن الساسة الأمريكيين إلى "الدعم الكامل لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، في ترجمة واضحة للسياسة الأمريكية المتبعة في هذا الإطار والتي تنطلق من الاستراتيجية التالية: إن "تسليح الوكلاء والدول المنبوذة مثل إسرائيل لخوض حروب أمريكا الدامية إلى الأبد في الخارج له أهمية أكبر بالنسبة للمؤسسة السياسية من دعم شعبها في الداخل - حتى في أوقات الأزمات الكبرى والمعاناة الجماعية".
في المحصلة:
بينما تقوم الولايات المتحدة بتسليح وتمويل حملات الإبادة والحروب الإقليمية التي تشنها إسرائيل على لبنان، فإن مواطنيها في الداخل يعانون من خسائر فادحة نتيجة للكوارث الطبيعية الناجمة عن المناخ. ومع استمرار انتشال الجثث وارتفاع تكاليف الإعصار، فإن إرسال الأسلحة إلى إسرائيل يعني حتمًا أيضًا المزيد من الموت والدمار في جميع أنحاء فلسطين ولبنان وسوريا واليمن، وربما إيران.
وعليه، يمكن الاستنتاج أن واشنطن غير راغبة بوضع حد لدائرة الموت في لبنان، من خلال فرض حظر على الأسلحة وعقوبات على إسرائيل. كما أنها ليست بصدد التفكير حتى بإعادة توزيع تلك الموارد لحماية مجتمعاتها الأكثر تأثرًا والأكثر عرضة لآثار الكوارث الطبيعية. فحماية وأمن إسرائيل قضايا تأتي دائمًا في رأس الأولويات الأمريكية.

alafdal-news



