ليست المرة الأولى التي يحطّ فيها رحالُ مجموعة العمل من أجل لبنان Task Force for Lebanon في العاصمة اللُّبنانيّة، ولا المرّة الأولى التي يلتقي فيها أعضاء المجموعة مسؤولين لبنانيين وجهات اخرى، ولا المرة الأولى التي يعربون فيها عن دعمهم للبنان ولشعبه. ولكن من تابع تصريحات السّفير إد غبريال الأخيرة في قصر بعبدا والسّراي الكبير ومجلس النّواب، لاحظ التّشديد غير المسبوق على عامل الوقت ووجوب التّحرك بسرعة تفادياً لما سيأتي والذي سيكون بمثابة "كارثة". المطّلعون على كواليس اللقاءات التي أجراها الوفد مع المسؤولين اللبنانيين، أوضحت أن الكلام الذي قيل لا لبس فيه لجهة وجوب رصّ الصفوف وأخذ القرار بالوصول إلى اتّفاق مع صندوق النّقد الدولي مهما كان الثمن، وإنجاز اتّفاق ترسيم الحدود البحريّة الجنوبيّة في أسرع وقت ممكن. ويشير المطّلعون على أن الوفد أعطى صورة قاتمة جداً للبديل عن ذلك، ونصح بعدم تجربتها لأنها ستكون مؤلمة جداً.
هذا في الكلام الذي شهدته اللقاءات، أما سبب هذا الكلام والمقصود منه، فأمر آخر، تولّت مصادرُ متابعة للأوضاع الإجابة عنه وفق رؤيتها، فشدّدت على أنّ الأمريكيِّين غير مهتمين بأولوية الإصلاح وضرب الفساد وغيره، لأنها أمور يعلمون تماماً أنها من شبه المستحيل أن تتحقّق في لبنان، ولكنّهم ركزوا على الاتّفاق مع صندوق النّقد الدّولي لأنه سيكون الممر الإلزامي لسير الأمور، أياً كانت الجهات السياسية التي ستتوالى على وضع السياسات الماليّة والنقديّة والاقتصاديّة للبلد، فيصبح الجميع عندها محكومين بحدود معيّنة لا يمكنهم تخطّيها. وتضيف المصادر أن التركيز أيضاً على مسألة ترسيم الحدود، يعني بشكلٍ غير مباشر التّخفيف من خطورة "حزب الله" على إسرائيل، لأنه عندها ستوضع قواعد جديدة للعبة المواجهة العسكريّة، تماماً كتلك التي وضعت بعد صدور القرار الدولي 1701، والتي أثبتت فاعليتها على مدى أكثر من عقد ونصف من الزمن.
وتستند المصادر إلى اعتماد سياسة "العصا والجزرة" في كلام أعضاء المجموعة، حيث اعتمدت العصا للتّحذير من الآتي من الأيام، والأهم تحذير المسؤولين من إمكان حصول "فوضى" تطال نفوذهم وقدرتهم على التحكّم بمؤيّديهم ومناصريهم، فيما اعتمدت الجزرة للقول بأنّ تلبية هذه المطالب من شأنها أن تعزِّزَ نفوذهم من جهة وتريح لبنان بعض الشيء من جهة ثانية، كونها ستفتح أبواب الخارج لضخّ الأموال والاستثمار. إلا أنّ السؤالَ اللُّغزَ يبقى في التّوقيت، لتجيب المصادر نفسها أنّ التوقيت هو الأفضل بالنسبة إلى الأمريكيِّين، فلبنان حالياً في أضعف أحواله ولا بدّ من استثمار هذه الميزة لدفعه إلى التّعاون دون معارضة قويّة، كما أنّ اللحظة الإقليميّة والدوليّة مناسبة تماماً لتمرير ما يجب تمريره في هذا المجال، خصوصاً لجهة ترسيم الحدود وتأمين مصادر الطاقة، وقد نجحت هذه الخطة إلى حدٍّ ما بدليل "استعجال" المسؤولين جميعاً إيجاد حل لهذا الأمر من خلال الوسيط الأميركي الذي سيكون متحكماً بايقاع الاتفاق الترسيمي وما سيحمله في السنوات المقبلة، على الرغم من أنّه يمكن البدءُ بنقاط أخرى خارج الحدود البحريّة، ولكن الهدف واضح وهو شمولية موضوع الغاز والنّفط مرة واحدة وليس بالتقسيط، ما يعني عملياً عدم استعجال استفادة لبنان من موارده بقدر الاستعجال في إرضاء المصلحة الأكبر وتأمين المصلحة الإسرائيلية كذلك، كما أنّ الوضع الداخلي اللبناني هشٌّ جداً على الصّعد كافةً وخاصة منها السياسيّة، والاستحقاقات تتوالى بسرعة وبتنا على قاب قوسين أو أدنى من انتخابات رئاسة الجمهورية (التي يرجح الجميع أنها لن تحصل في موعدها وسندخل في مرحلة فراغ لمدة لا يمكن تحديدها في انتظار التّطورات الخارجية).
ليست بريئة تحذيرات وفد المجموعة، وأهميتها أنّها أتت أمريكيّة المصدر إنما بلسان المجتمع اللبناني في أميركا لتأتي أمريكيّة الأصل بنكهة لبنانيّة وبطابع أكثر "تقبلاً" للبنانيِّين.

alafdal-news
