مرلين وهبة- الجمهورية
هل فشلت مساعي تأليف حكومة جديدة؟ وهل كل الطّرق باتت تقود إلى الفراغ في هذه الفترة القاتلة من انحلال الدولة بمؤسساتها ومظاهرها؟ وما الذي يمنع القوى السياسية الممسكة بما تبقّى من سلطة، من تغيير سلوكها اللّامبالي من أجل عكس مسار الانهيار ووقف درب الجلجلة التي يعيشها المواطن اللبناني؟
يقول ديبلوماسيٌّ بارزٌ، أنّ أزمة لبنان المستدامة هي أنّه تحول ساحة اشتباك قوى متطاحنة على أرضه، وبات من شبه المستحيل تحييده عن المواجهات والانقسامات الإقليمية والدولية، وإبعاده عن استعماله كصندوق بريد أحياناً وتصفية حسابات أحياناً أخرى. وبالتالي، يدفع لبنان اليوم أثمان انقسام أبنائه بين محور هنا ومحور مناهض هناك.
ويرى الدِّيبلوماسيُّ، أنّ المنطقة تشهد توتراً بالغاً في هذه المرحلة وإعادة ترتيب المشهد الجيوسياسي وفق توازنات قوى جديدة. فمن جهة هناك تحالف منتدى الغاز الذي يضمّ مصر والأردن والسلطة الفلسطينيّة وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا، وتدعمه فرنسا والاتّحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، وتحالف آخر ناتج من «اتفاقيات ابراهام»، ويضمّ دولاً عربية وخليجية وإسرائيل، وهو تحالفٌ سياسيٌّ واقتصاديٌّ استراتيجيٌّ. وفي المقابل هناك إيران وحلفاؤها في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين.
ويضيف الدِّيبلوماسيُّ، أنّ هناك سباقاً بين الانفجار والانفراج، وكل الاحتمالات واردة. وأنّ بوادر هذه الاحتمالات قد تنطلق من نقطة ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. فواشنطن والاتّحاد الاوروبي يدعمان بقوة مساعي الوساطة لإنجاح الترسيم، نظراً إلى الحاجة الملحّة إلى سدّ النقص الناتج في الغاز المستورد من روسيا بسبب الحرب مع أوكرانيا، وإن كانت الكميات المتوقع زيادة ضخّها من إسرائيل لا تلبّي الحاجات الأوروبية. وفي المقابل، لن تقبل طهران بالتنازل عن أي ورقة قوة بين يديها على المستوى الإقليمي، ومن بينها ورقة ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل مجاناً ودون استكمال «المفاوضات المتردّدة» بينها وبين الأمريكيين حول إعادة إحياء الاتّفاق النووي ووقف العقوبات المفروضة على إيران.
ويكشف الدِّيبلوماسيُّ، أنّ هذا التّوتر النّاجم عن الاشتباك المتواصل على المستويات السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة والسيبيريّة يُرخي بظلاله على مسار استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهورية في موعده الدستوري، ويعرقل وضع لبنان على سكّة التّعافي. مشدّداً على أنّ اللّاعبين المحليِّين لا يملكون القدرة على جعل الاستحقاق الرئاسي في منأى عن هذه المناخات والحسابات والأجندات، وبالتالي يستمر الهريان على كلِّ المستويات الداخلية، وسط عجز القوى السياسية المحلية عن التصدّي لأيِّ أزمة، سواء معيشية أو مالية أو إدارية.
وينفي الدّيبلوماسيُّ العريقُ أيَّ صلةٍ بين زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن لمنطقة الشرق الأوسط، التي لن تتضح معالم نتائجها على المدى القصير، وبين القمة الثلاثية التي تُعقد في طهران وتجمع رؤساء روسيا وتركيا وإيران، فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان وإبراهيم رئيسي. ويوضح، أنّ هذه القمة متفق على إقامتها قبل سنتين وتأجّل انعقادها بسبب تفشي وباء كورونا، وهي تأتي في إطار سلسلة من الاجتماعات الثلاثية التي عُقدت في الدول الثلاث، بهدف ربط النزاع والتنسيق في ما يمكن من مسائل تتعلق بالحرب في سوريا تحديداً، وأنّ من الطبيعي أن يتمّ التطرّق إلى مواضيع حيوية ملحّة ومستجدة، مثل أزمة نقص القمح وسبل معالجتها بسبب الحرب مع أوكرانيا.
ويلفت الدِّيبلوماسيُّ، إلى أنّ هذه القمّة الثّلاثيّة لا يمكن اعتبارها تحالفاً بأيِّ شكلٍ من الأشكال، لأنّ تركيا هي في حلف «الناتو» ولها مواقف مستقلة ومغايرة عن موقفي روسيا وإيران، سواء في ما يتعلق بأوكرانيا أو في عدد من المسائل الدّولية والإقليميّة، وإنما هذا لا يعني أنّها مختلفة عن عدد من المبادئ الأساسية في ما يتعلق بالملف السّوريِّ.
ويختم الديبلوماسي، أنّ لبنان بلدٌ صغيرٌ، وبالتّالي، كما يقع سريعاً ضحية المصالح المتعاكسة والأجندات المتنازعة بين القوى الخارجية، ينهض سريعاً من كبوته حين تحين اللَّحظةُ الدّولية والاقليميّة المؤاتية، والمهم أن يحافظ القياديُّون اللبنانيّون على حدٍّ أدنى من استمرار المؤسّسات والمرافق العامة وحماية النظام المالي والاقتصادي الحرّ وتجنّب سياسة «النعامة» والأرض المحروقة.

alafdal-news
