كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
الانقسامُ السّياسيّ والطّائفيّ قائمٌ في لبنان، ويعود إلى عقود لا بل إلى أكثر من قرن ونصف القرن، ويعود ذلك إلى أنّ أزمة الكيان هي هويّة ونظام، وبني لبنان القديم منه والحديث على تسويات كانت تقوم بها دول خارجيّة، منذ "بروتوكول" عام ١٨٦٤، وتولّي سبعة دول، حماية طوائف في لبنان، وتمّ تقسيم جبل لبنان إلى قائمقاميتين مسيحيّة في الجزء الشّمالي منه، ودرزيّة في الآخر الجنوبي، ونشأت منذ ذلك الوقت الطّائفيّة السّياسيّة، وبات التّدخّل الخارجيّ حتميًّا في لبنان، وآخر مشهد لهذا التّدخّل هو "اللّجنة الخماسيّة" المكوّنة من أميركا وفرنسا والسعودية ومصر وقطر، وقد يزداد عددها، فهي كانت ثلاثيّة فتوسّعت، حيث يكثر الحديث عن احتمال انضمام إيران إليها.
"فالخماسيّة" لم تحقّق أيّ تقدّم منذ بدء عملها كثلاثيّة في أيلول من العام ٢٠٢٢، عندما صدر بيان مشترك عن كلّ من أميركا وفرنسا والسعودية، وضع مواصفات للمرشّح لرئاسة الجمهوريّة، حيث ما زال العامل الخارجيّ أقوى تأثيرًا من العامل الدّاخليّ، لأنّ اللبنانيّين لم يصنعوا رئيس جمهوريّتهم، لا قبل الاستقلال ولا بعده، حيث غابت لبننة رئاسة الجمهوريّة، لأنّ القوى السّياسيّة اللّبنانيّة، لم تتمكّن من التّوصّل إلى توافق، وهي لم تستطع إنجاز الاستحقاق الرّئاسي بعد ١٢ جلسة انتخاب رئيس للجمهوريّة، فعلّق رئيس مجلس النّواب الدّعوة لجلسة انتخاب منذ ١٤ حزيران الماضي، وتقدّم بمبادرة للحوار والانتخاب في أيلول الماضي، لكنّه لم يوفّق بسبب معارضة كتل نيابيّة مسيحيّة للحوار، والدّعوة إلى الانتخاب فقط بجلسات مفتوحة أو متتالية.
من هنا فإنّ الاستحقاق الرّئاسيّ يراوح مكانه، فلا تقدّم داخليٍّ يدفع باتّجاه حصوله، ولم تتمكّن "اللّجنة الخماسيّة" من تحفيز الكتل النّيابيّة على انتخاب رئيس للجمهوريّة، فهي ما زالت في إطار الاستطلاعات والمشاوات، وجولات إثبات الوجود، والتّحدّث في الإطار العام، حيث ابتعد أعضاء اللّجنة عن تسمية مرشّحين لرئاسة الجمهوريّة، بالرّغم من أنّ هناك تسريبات تحدّثت عن توجّه هذه الدولة أو تلك من الخماسيّة، حول خياراتها بالنّسبة للمرشّحين، إذ جرى التّداول باسم قائد الجيش العماد جوزف عون كمرشّح مرغوب به أميركيًّا ومقبول خليجيًّا، في وقت يتمسّك الثّنائي "أمل" و"حزب اللّه" برئيس "تيّار المردة" سليمان فرنجية الذي أيّدته فرنسا منذ العام ٢٠١٦، في حين أنّ السعودية ابتعدت عن التّسميات لصالح مرشّح إصلاحيّ، لا تمانع مصر به، والّتي تشدّد على دور مجلس النّواب في اختياره، حيث لعبت مصر في زمن الرئيس جمال عبد الناصر، الدّور الأساسيّ في اختيار رئيس الجمهوريّة منذ عام ١٩٥٨، وسمّت قائد الجيش آنذاك اللّواء فؤاد شهاب.
فالانتخابات الرئاسيّة مؤجّلة إلى فترة قد تصل إلى سنة، والمتفائلون يتحدّثون عن أنها قد تحصل قبل الانتخابات الرّئاسيّة الأميركيّة التي ستحصل مطلع تشرين الثّاني المقبل.
وما حصل في الملفّ الرّئاسيّ، أنّ الأطراف اللبنانيّةِ أجمعت على فصل انتخاب رئيس الجمهوريّة عن الحرب الإسرائيليّة التّدميريّة، والمواجهة العسكريّة في الشّريط الحدوديِّ الجنوبي بين "حزب الله" وجيش الاحتلالِ الإسرائيليِّ، لكن مصادر سياسيّة مطّلعة تؤكّد بأنّ نتائج الحرب على غزّة وما ستنتهي إليه، فسيكون لها تأثير على الاستحقاق الرّئاسي، فإذا انتصر محور المقاومة، سيأتي رئيس الجمهوريّة منه، وسيكون سليمان فرنجية، والعكس صحيح أيضًا، وهذا ما يفسّر أيضًا تأخير حصول الانتخابات، بالرّغم من محاولات فصلها عن الحرب على غزّة.
فالمراوحة في الملفّ الرّئاسيّ داخليًّا وخارجيًّا، متوقّفة على مسألتين، الأولى التّوافق اللّبناني عبر تسوية، والثّاني توافق خارجيّ على مساعدة لبنان الخروج ليس من أزمته الرّئاسيّة، بل السّياسيّة والاقتصاديّة.

alafdal-news
